أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
83
شرح مقامات الحريري
وقد أبقت صروف الدّهر منّي * كما أبقت من السّيف اليماني « 1 » يصمّم وهو مأثور جراز * إذا جمعت بقائمه اليدان فسّره أبو عبيد البكري وغيره : بأنه أراد بذلك الجارحة ، والأيد الذي هو القوّة ، فجمع على الأخفّ ، فهذا من قبيل ما قدمناه ، ولا يحضرني الآن غير هذا من كلام العرب . قوله : الإلمام ، أي تخفيف الزيارة . أننفّق ، أتخرّج ، والنّفاق ضدّ الكساد . الإجمام : الزيارة صدى صوته ، أي متى دعاه وجده حاضرا مجيبا له ، والصدى : صوت الجبل الذي يردّ عليك إذا صحت . وابن همام في هذا المقامة شرطيّ القاضي . [ سلمان الفارسيّ ] وسلمان الذي ذكره ، هو سلمان مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخادمه ، ويعرف بسلمان الخير ، قالت عائشة رضي اللّه عنها : كان لسلمان رضي اللّه عنه مجلس مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينفرد به في الليل ، حتى كاد يغلبنا عليه . وقال عليه السلام : « أمرني ربي بحبّ أربعة ، وأعلمني أنه يحبّهم : عليّ ، وأبو ذرّ ، والمقداد ، وسلمان » ، رضي اللّه تعالى عنهم . وأتى أبو سفيان على سلمان وصهيب وبلال ، فقالوا : ما أخذت سيوف اللّه من عنق عدوّ اللّه مأخذها ، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ! وأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبره ، فقال : يا أبا بكر ، لعلّك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك ، فأتاهم أبو بكر رضي اللّه عنه فقال : يا إخوتاه ، أأغضبتكم ؟ فقالوا : لا ، ويغفر اللّه لك . وكان من أبناء أساورة فارس ، وأصله من رامهرمز ، وقيل : كان من أصبهان ، وكان يطلب دين اللّه ويتبع من يرجو ذلك عنده ، فدان بالنصرانية وغيرها ، وقرأ الكتب ، وصبر في ذلك على مشقات نالته ، وكلّها مذكورة في إسلامه في كتب السّير . وقيل : تداوله في ذلك بضعة عشر ربّا ، حتى أفضى إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فاشتراه من قوم من اليهود . وأوّل مشاهده الخندق ، وهو الذي أشار بحفره ، فقال أبو سفيان وأصحابه : هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها . وسئل عليّ عنه فقال : علم العلم الأول ، بحر لا ينزف ، هو منّا أهل البيت ، وفي رواية : هو مثل لقمان الحكيم ، وكان فاضلا حبرا زاهدا عالما متقشفا .
--> ( 1 ) البيتان للنابغة الجعدي في أمالي القالي 1 / 71 ، واللآلي ص 246 ، وخزانة الأدب 1 / 513 .